فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

كل موضع أقام به الإنسان لأمر ، فعلى هذا : مواطن الحرب مقاماتها مواقفها . وامتناعها من الصرف لأنه جمع على صيغة لم يأت عليها واحد ، والمواطن الكثيرة غزوات رسول الله . ويقال : إنها ثمانون موطناً ، فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين ، ومن نصره الله فلا غالب له . ثم قال : * ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) * أي واذكروا يوم حنين من جملة تلك المواطن حال ما أعجبتكم كثرتكم . المسألة الثالثة : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وقد بقيت أيام من شهر رمضان ، خرج متوجهاً إلى حنين لقتال هوازن وثقيف . واختلفوا في عدد عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عطاء عن ابن عباس : كانوا ستة عشر ألفاً ، وقال قتادة : كانوا اثني عشر ألفاً عشرة آلاف الذين حضروا مكة ، وألفان من الطلقاء . وقال الكلبي : كانوا عشرة آلاف . وبالجملة فكانوا عدداً كثيرين ، وكان هوازن وثقيف أربعة آلاف ، فلما التقوا قال رجل من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، فهذه الكلمة ساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي المراد من قوله : * ( إذ أعجبتكم كثرتكم ) * وقيل إنه قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل قالها أبو بكر . وإسناد هذه الكلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد ، لأنه كان في أكثر الأحوال متوكلاً على الله منقطع القلب عن الدنيا وأسبابها . ثم قال تعالى : * ( فلم تغن عنكم شيئاً ) * ومعنى الإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة فقوله : * ( فلم تغن عنكم شيئاً ) * أي لم تعطكم شيئاً يدفع حاجتكم . والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى أعلمهم أنهم لا يغلبون بكثرتهم ، وإنما يغلبون بنصر الله ، فلما أعجبوا بكثرتهم صاروا منهزمين ، وقوله : * ( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) * يقال رحب يرحب رحباً ورحابة ، فقوله : * ( بما رحبت ) * أي برحبها ، ومعناه مع رحبها " فما " ههنا مع الفعل بمنزلة المصدر ، والمعنى : أنكم لشدة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا فيها موضعاً يصلح لفراركم عن عدوكم . قال البراء بن عازب : كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم انكشفوا وكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبق معه إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحرث . قال البراء : والذي إله إلا هو ما ولَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم دبره قط ، قال : ورأيته وأبو سفيان آخذ بالركاب ، والعباس آخذ بلجام دابته وهو يقول : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " وطفق يركض بغلته نحو الكفار لا يبالي ، وكانت بغلته شهباء ، ثم قال للعباس : ناد المهاجرين والأنصار ، وكان العباس رجلاً صيتاً ، فجعل ينادي يا عباد الله يا أصحاب الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، فجاء